أخر الأخبار

إفتتاحية

مستجدات

استطلاع الرأي

ماهو رأيكم في الحراك الذي تعرفه مدينة ابن جرير ؟

عرض النتائج

Loading ... Loading ...

حمل تطبيق الرحامنة سكوب

الرئيسية » تحقيقات » بورتريه : محمد بن المحجوب باعث أسرة ” آل لحمادي ” و أحد أعيان الرحامنة الكبار ملاك بن جرير الذي عاش صامتا ومات كذلك .

بورتريه : محمد بن المحجوب باعث أسرة ” آل لحمادي ” و أحد أعيان الرحامنة الكبار ملاك بن جرير الذي عاش صامتا ومات كذلك .

ابن جرير ، تلك المدينة التي كثر اللغط فيها اليوم بين من يتحدث عن الأعيان والنخب ومن يملك أن يكون هنا أصيلا ومن هو هناك ليس إلا دخيل، فتحول هذا يجتر بلا سبب أنا رحماني وذاك “أنا رحماني” ، وبين نازحون وأصيلون فإننا اليوم شاء القدر أن نفتح بابا من أبواب مدينة ابن جرير على مصراعيه، ليدخل من خلاله رجلا كثيرا ما سمعنا عنه وعرفناه بالاسم وبالنسب الباقي بيننا من تاريخه ومن أحفاده وأبنائه وصيتهم في القبيلة إنهم ” آل لحمادي ” .
فمن من أبناء مدينة ابن جرير والرحامنة لم يسمع “بعرصة بلمحجوب” أو “جردة بالمحجوب” ، الاسم هو الباقي “بلمحجوب” فيما العرصة اليوم هي جزء كبير من الأراضي التي بني عليها الحي الجديد بابن جرير بأكمله تقريبا .
سي محمد بلمحجوب بن بيه بلمحجوب بن احمد امتداد مغروس قارب 400 سنة من الوجود على أرض الرحامنة إذا توقفنا عند هؤلاء فقط ، ولد محمد بلمحجوب بدوار “بوعشرين” بجماعة لبريكيين بالرحامنة والذي كان يحمل اسم ” دوار القايد كبور ” عام 1900 ، من عائلة ذات أصول صحراوية عريقة أبا عن جد ، عام 1930 شاءت الأقدار أن يرحل بلمحجوب وهذه شهرته عن دوار بوعشرين إلى مدينة ابن جرير وليستقر به المقام بحي الزاوية ، خصال الرجل وطباعه واستقامة سلوكه وورعه وإيمانه ساعدته في صناعة تاريخه الشخصي ، وبداية حياة كلها كد وجد واعتماد على النفس ومراكمة الكثير من الانجازات ، وهو في ريعان الشباب قدر له أن يشتغل بتجارة الحبوب ، وكل من يعرف بلمحجوب ممن سمع به أو ممن لا يزالون على قيد الحياة يعلمون علم اليقين أنه كان صاحب المطحنة الوحيدة بابن جرير، وأن مكانها اليوم صار فضاءا عموميا يسمى اليوم ” ساحة الوحدة “، ذلك الفضاء كان ذات يوم يعج بالحياة وكان بلمحجوب سيد المكان ، مابين الثلاثينات حتى حدود الاستقلال استطاع هذا الرجل مراكمة ثروة مادية تحول بفضلها إلى أول منعش عقاري بسط يده على كل مدينة ابن جرير تقريبا ، وبشهادة الكثيرين فإنه يمكن القول باستثناء ما كان يملكه أحد أعيان الرحامنة الكبار الحاج قدور الصغيري ، فإن محمد بلمحجوب كان مالكا لقرابة 95 في المائة من الأراضي التي هي ابن جرير اليوم .
ثراء من تجارة الحبوب واصطفاف في مقدمة خارطة أعيان ابن جرير والرحامنة ، وسلوك وبصيرة فذة وصمت يشهد به الجميع ، هو التقي الكريم ، وهنا نفتح قوسا للإبحارفي صفات هذا الإنسان ، حتى أنه وبعدما أدرك ما أدركه من الجاه وصار أكبر الملاكيين الكبار لم تفتنه الثروة أو تشده السياسة حينما يقوى عود المال في جيب صاحبه ، بل حافظ على نفس طقوسه بساطة وكرم وفلسفة للتضامن قل نظيرها اليوم ، ولكونه من يملك حيث يطمع الناس أن يبنوا بيوتهم ، وجد في أحد أعوانه المسمى قيد حياته “سي عباس العطار” وكان يشتغل لفائدته ” عبارا ” للحبوب ، هذا الأخير من سيكلف بمهمة تحصيل أثمنة بيع قطع الأرض لمن يريدون الحصول عليها ، كان بلمحجوب لا يغادر مكانه بل يثق في معاونه ، والأكثر من ذلك كان ، زاهدا في دنياه التي ملأها رحمة وشفقة بين من عرفوه ، لم يكن طماعا أو جائرا أو مما يكثر اليوم وأفسد حياة الفقراء والناس، في زمنه ملك الناس بيوتا أدوا ثمن أرضها أقساطا وبلا زيادة وعفي منهم خلق كثير ، كان ” عمرانا ” يمشي على رجليه ، شهادات أكدت جميعها أن بلمحجوب لم يطالب أحدا يوما بالباقي فقط “سي عباس “من يرسم الحدود ويرتب الأزقة باستباق كبير لزمن فلسفة العمران والتعمير وسياسة المدن.
بحلول عام 1956 حدث أمر عجيب في حياة محمد بلمحجوب، إذ سيتوقف نهائيا عن المتاجرة بالحبوب ، أوقفه انتشار الغش في الميزان وفساد بعض من الأخلاق التي لم يترعرع فيها وعليها ، أوقفه إيمانه الراسخ بالله وبالعدل في تجارته حينما شاع ” خسران الميزان ” ، واكتفى بنفسه منعشا عقود الستينيات والسبعينيات .
حتى حينما تعود بالذاكرة إلى أرقام الهاتف بابن جرير “وموضا” الأناقة واللباس والسيارات تجد بلمحجوب في بحبوحتها ، كان يملك هاتفين في ذلك الزمن واحد بمطحنته والأخر ببيته وهما رهن إشارة الجميع ، هاتفان من 12 التي كانت لأعيان ابن جرير فقط ، رجل وطني غابت فيه أطماع السياسة والتوسع وحب الظهور ، همه قضاء حوائج الناس بما استطاع.
وبالبحث عن علاقته برموز طبعت الذاكرة الرحمانية والوطنية آنذاك “القائد العيادي ” كل الشهادات أثنت على حسن تلك العلاقة . فقد غلب في الرجل إيثاره للخير والنماء والإحسان متى استطاع إليه سبيلا بعيدا عن العقد والتزلف والصراع .
وفي عام 1978 سيغادر الدنيا تاركا ورائه إرثا كبيرا ترجم في أسرة كبيرة تخرج من كنفها مجموعة من الشخصيات الرفيعة المستوى مدنيا وعسكريا وأساتذة بالمعنى للحقيقي للكلمة ، تخرج على أيديهم ثلة من الأجيال التي بصمت تاريخ الرحامنة إلى حدود اليوم .
وبالنبش اليوم في تاريخ هذه الشخصية ” الرقم ” في معادلة تاريخ الرحامنة ، نكون قد بسطنا المجال لربط الحاضر بالماضي ، حاضر يراهن فيه خطأ بعض ممن قد يحسبهم الناظر نماذج يحتدى ويقتدى بها، والحقيقة الضائعة عكس ذلك، هو أنه ثمة من يجب العودة إليهم في تاريخ الرحامنة ، أولئك الذين ملئوا دنياهم صمتا ومسكنة ونبلا رغم ما ملكوه وما كتبه القدر لهم ، في زمن أصبح المرء يستحي أن يقول رحماني بافتخار ، حينما اختلط أمر الرحامنة ” لحقاق ” والرحامنة ” بالفوطوكوبي ” ، وفي زمن أعيان الانتخابات وأعيان ” الكارطون ” وأعيان لا يملكون من ذلك سوى الاسم.
400 سنة من الانتماء إلى الرحامنة ، تاريخ طويل عريض قضاه بلمحجوب بريئا من ذمم الآخرين معولا على نفسه قبل غيره في لقاء ربه في أحسن الدرجات والأحوال ، وكأننا به اليوم وبما تركه من الرجال والأحفاد من نفس القيم الموروثة، أن الرجل ما يزال حيا يعيش بيننا في نفس الصمت ونفس الجود والكرم بعيدا عن الأضواء ،تلك الأضواء التي يعشقها الكثيرون رغم فضاعة تاريخهم، وفضاعة ما يكسبون، وفضاعة ما قد لا يكسبونه بنفس كريمة عزيزة ، بل يعشقون أن يثنى عليهم حتى وهم لا يملكون غير أقمصة يضعونها على أجسادهم وعوراتهم في زمن لا يستحي فيه المرء ولا يخجل من نفسه وهو بلا تاريخ وبلا أمجاد .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *